نياحة القديس مكسيموس أخى دوماديوس ( 14 طــوبة)

نياحة القديس مكسيموس أخى دوماديوس ( 14 طــوبة)

نياحة القديس مكسيموس أخى دوماديوس ( 14 طــوبة)

في مثل هذا اليوم تنيح القديس مكسيموس أخي القديس دوماديوس ولدي والندنيانوس ملك الروم .
شابان صغيرا السن أدركا غنى الملكوت وعشقا شخص السيد المسيح ، فتركا عظمة المُلك والجاه ووفرة الغنى والكرامة وعمدا إلى سكنى البراري والقفار .
انفتاح قلبيهما على السماء حوَّل القفر إلى فردوس ، وسلكا بسيرة ملائكية أدهشت القديس مقاريوس الذي كان يستصحب بعض زائريه إلى مغارتهما ، ويقول لهم: “هلموا نعاين مكان شهادة الغرباء الصغار” . كان يحسبهما شهيدين بدون سفك دم .
نشأتهما
كان هذان القديسان أخوين ، وكان أبوهما فالنتيانوس القيصر الروماني (364-375) رجلاًخائف الرب وناصرًا للمسيحية ، ربَّى ولديه وأختهما الصغيرة في مخافة الرب .
لما كبر مكسيموس و دوماديوس اشتاقا إلى حياة الرهبنة . فطلبا من أبيهما أن يسمح لهما بالذهاب إلى مدينة نيقية ليُصليا في مكان اجتماع المجمع المقدس المسكوني الأول الذي انعقد سنة 325م . فرح أبوهما وأرسل معهما حاشية من الجند والخدم كعادة أولاد الملوك . ولما وصلا أمرا الجند أن يرجعوا إلى أبيهما ويقولوا له أنهما يريدان أن يمكثا هناك أيامًا . ثم كشفا أفكارهما لأحد الرهبان القديسين يُدعى حنا فشجعهما ، ولما طلبا أن يبقيا معه اعتذر خوفًا من أبيهما وأوصاهما بالسفر إلى سوريا ليتتلمذا على يديّ القديس المتوحد الأنبا أغابيوس وهو طرسوسي من كيليكية ، وكان ذا شهرة كبيرة .
رهبنتهما
توجها إلى الأنبا أغابيوس فقبلهما وألبسهما إسكيم الرهبنة . ولما قرب زمان نياحته سألاه ماذا يفعلان بعده . أما هو فقال لهما: “رأيت نفسي في هذه الليلة واقفًا علي صخرة جنوب مسكننا ، ورأيت راهبًا واقفًا أمامي وعلي رأسه غطاء عليه صلبان . وكان في يده عصا من جريد وصليب . لما رأيته خفت ، ولكنه اقترب مني وسلّم عليّ ، وقال لي: “هل تعرفني؟” قفلت له: “لا يا أبي القديس” . قال لي: “أنا مقاريوس المصري أتيت لأدعو أولادك لآخذهم إلى مصر” . فقلت له: “ألا تأخذني معهم أيضًا يا أبي؟” فقال لي: “لا ، ولكني أعلمك أنك بعد ثلاثة أيام ستتنيح وتذهب إلى السيد . وسيرسل الملك رُسلا وراء ولديه ليأخذهما إلى القسطنطينية ، فاحذر ذلك ومًرهما أن ينزلا إلى مصر ليسكنا بالقرب مني . لأن السيد قد عينهما لي أولادًا ، وها أنا قلت لك” . ولما قال ذلك اختفي عنيِ” . ثم قال لهما: “إنني كنت اشتهي أن أنظر هذا القديس بالجسد ولكنني قد رأيته بالروح ، فبعد نياحتي امضيا إليه بسلام” .
أنعم الله عليهما بنعمة شفاء المرضى ، وشاع ذكرهما في تلك البلاد خصوصًا بين التجار والمسافرين ، وتعلّما صناعة قلوع المراكب فكانا يقتاتان بثمن ما يبيعانه ويتصدقان على الفقراء والمساكين بما يفضل عنهما .
لقاء والدتهما والأميرة أختهما بالقديسين
في إحدى المرات كان نائب الملك في الميناء مع الجند يفتش السفن الداخلة ، فلاحظ اسميّ القدّيسين على إحدى السفن . استفسر من صاحب المركب عن سبب ذلك . فقال له: “هذان اسمان لأخوين راهبين كتبتُهما على قلع مركبي تبَرُّكا لكي يُنجّي الله تجارتي” . ثم بيّن له أوصافهما بقوله أن أحدهما قد تكاملت لحيته والآخر لم يلتحِِ بعد ، فعرفهما ، وأخذ الرجل وأحضره أمام الملك ثيؤدوسيوس الذي كان رئيسا لجنود الملك فالنتينوس ، وتعين ملكًا بعد وفاته .
قدم الملك ثلاث قطع ذهبية لكل بحار . وصرفهم بسلام . ثم أرسل مندوبًا من قبله اسمه ماركيلوس إلى سوريا ليتأكد من الخبر قبل إذاعته في القصر . وبعد بضعة أيام عاد المندوب مؤكدًا الخبر ، وكان فرح عظيم في القصر . ذهبت إليهما والدتهما والأميرة أختهما ، فلما تقابلتا بالقديسين وتعرفت عليهما بكتا كثيرًا جدًا ، ورغبت أمهما أن يعودا معها فلم يقبلا ، وطيّبا قلب والدتهما وأختهما .
ترشيح القديس مكسيموس بطريركًا للقسطنطينية
بعد ذلك بقليل تنيّح بطريرك القسطنطينية فاتجهت الأنظار إلى القديس مكسيموس ليخلفه ورحّب الملك ثيؤدوسيوس بذلك ، وأرسل نائبه ومعه بعض الجنود لاستدعائه ، كما كتب إلى والي سوريا بذلك .
تسرّب الخبر إلى الأخوين عن طريق زوجة الوالي التي كانت تحبهما كقديسين . ولما علما بذلك هربا واختفيا عند راعي غنم أيامًا كثيرة ، ثم غيّرا ثيابهما ولبسا ثيابًا مدنية وتنكّرا حتى لا ينكشف أمرهما وصلّيا طالبين مشورة الله للوصول للأنبا مقاريوس .
لقاؤهما مع أنبا مقاريوس
سارا نحو تسعة أيام حتى أعياهما التعب وهما يسيران على شاطئ البحر . افتقدهما الرب برحمته ووجدا نفسيهما في شيهيت حيث القديس مقاريوس وعَرَّفاه أنهما يريدان السُكنى عنده . ولما رآهما من أبناء النعمة ظن أنهما لا يستطيعان الإقامة في البرية لشظف العيشة فيها . فأجاباه قائلين: “إن كنّا لا نقدر يا أبانا فإننا نمضي إلى موضع آخر” . عاونهما في بناء مغارة لهما ثم علَّمهما ضفر الخوص ، وعرّفهما بمن يبيع لهما عمل أيديهما ويأتيهما بالخبز .
أقاما على هذه الحال ثلاث سنوات لم يجتمعا بأحد سوى أنهما كانا يدخلان الكنيسة لتناول الأسرار الإلهية وهما صامتين . فتعجب القديس مقاريوس لانقطاعهما عنه كل هذه المدة وصلى طالبًا من الله أن يكشف له أمرهما ، وجاء إلى مغارتهما حيث بات تلك الليلة . فلما استيقظ في نصف الليل كعادته للصلاة رأى القديسين قائمين يُصليان ، وشُعاع من النور صاعدًا من فم القديس مكسيموس إلى السماء ، والشياطين حول القديس دوماديوس مثل الذباب ، وملاك الرب يطردهم عنه بسيفٍ من نار . فلما كان الغد ألبسهما الإسكيم المقدس وانصرف قائلاً: “صلّيا عني” ، فضربا له مطانية وهما صامتين .
نصائحهما
روي كاتب السيرة ، الراهب بيشوي شماس الكنيسة التي بناها القديس مقاريوس الكبير نفسه ، وهي أول كنيسة في الاسقيط:
[حدث مرة حينما كنت معهما أن قلت لهما: لو كنتما في القسطنطينية يا أبوي فبالتأكد كنا نجدكما قد توليتما الملك” . فأدارا وجهيهما وقالا بوداعة: “أين إذن روحك أيها الأخ حتى بدرت منك هذه الكلمة؟ إنها بلا شك في المكان الذي ذكرته . لقد قلنا لك عدة مرات أيها الأخ بيشوي أنك سواء كنت جالسًا معنا أو في مسكنك يجب أن تذكر دائمًا اسم الخلاص الذي لسيدنا يسوع المسيح بلا انقطاع ، لأنه بالحقيقة لو كان هذا الاسم القدوس في قلبك لما قلت هذه الكلمة التي تكلمت بها الآن .
من الآن فصاعدًا انتبه بالتأكيد إلى نفسك ، ولا تهمل الاسم القدوس ، اسم سيدنا يسوع المسيح ، بل تمسك به بكل قلبك باستمرار حتى في الآلام ، لأننا لو أهملناه نموت حتما في خطايانا” .
ومن أقوالهما:
“فلنفرغ من الدالة والمزاح والكلمات الباطلة التي تجعل الراهب يخسر كل الثمار حسب الطريقة التي تعلمناها ، إذ كنا لا نزال بعد في سوريا حينما كان الناس يحاولون إسعادنا دون أن يتركوننا نفكر في خطايانا . لكن الغربة والسكوت بفهم واحتمال الشدائد هذه هي خصائص الراهب .
فالشدة تولد الصلاة في طهارة ، والصلاة تولد مخافة الرب والمحبة ، وهذا ما ينمي الإنسان ، لأنه لا جاه ولا غنى ولا قوة يتقبلها الله ما لم يكن المسيح يسكن فينا” .]
نياحتهما
بدأ القديس مكسيموس يمرض بحمى عنيفة ، فلما طال عليه المرض طلب إلى أخيه الأصغر أن يذهب إلى القديس مقاريوس يرجوه الحضور . فلما أتى إليه وجده محمومًا فعزاه وطيّب قلبه .
يقول كاتب السيرة: [اجتمعنا حول القديس مكسيموس لننظره فسمعناه يقول وقد خُطف عقله: “يا رب أرسل لي نورك ليضئ قدامي في هذا الطريق التي لا أعرفها . يا إلهي وخالقي خلصني من قوات الظلمة المجتمعين في الهواء ، وأصلح خطواتي في هذا الطريق لأبلغ إليك باستقامة . وكن لي نعمة وقوة يا إلهي وسيدي ، لأنك أنت رب النور ومخلص العالم” . ثم صمت قليلاً، وتطلع القديس مقاريوس وإذا جماعة من الأنبياء والرسل والقديسين و يوحنا المعمدان وقسطنطين الملك جميعهم كانوا قائمين حول القديس إلى أن سلّم روحه الطاهرة بمجدٍ وكرامةٍ . فبكى القديس مقاريوس وقال: “طوباك يا مكسيموس” .
أما القديس دوماديوس فكان يبكي بكاء مرًا ، وسأل القديس مقاريوس أن يطلب عنه إلى السيد المسيح لكي يُلحقه بأخيه . وبعد ثلاثة أيام مرض بحمى شديدة هو الآخر وقيل للقديس مقاريوس عن ذلك فذهب إليه لزيارته . وفيما هو في الطريق وقف فترة طويلة ينظر نحو المغارة ثم التفت ناحية المشرق ، فظن من معه أنه كان يصلي ولكنه كان يتأمل خورس القديسين الذين كانوا يتقدمون روح القديس دوماديوس . نظر الأب مقاريوس نحو السماء وهو يبكي ويقرع صدره قائلاً: “الويل لي لأني لم أعد راهبًا بالكلية” . ثم قال لهم: “لقد تنيح القديس دوماديوس” .
كانت نياحة القديس مكسيموس يوم 14 طوبة ولحقه أخوه القديس دوماديوس في 17 طوبة .
قال الأب مقاريوس أن الطغمات الذين جاءوا ليأخذوا نفس دوماديوس هم الذين جاءوا لأخذ روح أخيه . وبنى القديس مقاريوس كنيسة في موضع سُكناهما وهي أول كنيسة بنيت في البرية . كما كان القديسان مكسيموس و دوماديوس أول من تنيح من الرهبان في الإسقيط ، وكانت نياحتهما بعد سنة 380م .
صلاتهم تكون معنا و لربنا المجد دائمًا أبديًا آمين .

اخر المقالات